الجنسية.. مدونة كونج فو

كتبهامحمد الكسيح ، في 4 أغسطس 2009 الساعة: 08:39 ص

أنا لا أجيد الفرنسية، أعرف جيدا أنني لا أجيد الفرنسية، ولكن منذ استوعبت القراءة، وأنا أعرف جيدا معني كلمة"Refugee" والتي تعني "لاجئ " بالفرنسية فقد كانت مكتوبة على ذلك الجواز الأزرق الذي ارتبط بي منذ يوم مولدي،والذي يعني أنني لاجئ إلى الأراضي المصرية، وأنني مقيم في مصر بإقامة لمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، وذلك لأن والدي لجأ إلى أرض مصر منذ عام 1948، وبالتبعية لوالدي فأنا أيضا لاجئ إلى أرض مصر رغم أنني ولدت عام 1972.
وبسذاجة واستغراب كنت أتساءل لماذا أنا الوحيد من زملائي بالمدرسة الذي يذهب إلى هذا المكان المسمى "مجمع التحرير" وأصعد مع إخوتي وأمي بعد وفاة والدي إلى الدور الثاني، وهناك أشاهد هذه الجموع من الفلسطينيين الذين لجئوا مثلنا إلى أرض مصر، ولكن مع الاختلاف فهناك فئة جـ وهناك فئة ب، وربما يكون هناك فئات أخرى لا أعرفها، وذلك يعود لاختلاف زمن اللجوء فهناك من جاء في 1948، وهناك من جاء 1967 وهناك من جاء ربما بعد ذلك أو قبل ذلك.
المهم أنه جاء إلى أرض مصر، وهناك من تزوج بمصرية مثل والدي وهناك من تزوج بفلسطينية أو عراقية أو حتى هندية، ولكن لكل منهم تصنيفه وبنفس الاستغراب كان زملاء المدرسة يسألون لماذا كل هذه التعقيدات، ولماذا يكون لك إقامة أساسا في أرض مصر أو في أي دولة عربية أخرى فنحن جميعا متشابهون، كنت أنظر إلى زملائي لا أجد أي اختلاف في اللهجة أو في الشكل أو حتى الطباع، الفارق الوحيد أنني امتلكت تلك البطاقة الزرقاء المعروفة بالهوية أو الجواز، وكان التساؤل البسيط لماذا فلسطيني ومصري وجزائري، ونحن جميعا نتحدث لغة واحدة ونحن جميعا أشبه ما يكون ببعضنا، ونحن جميعا ننظر لبعضنا على أننا شيء واحد ولسنا غرباء فلماذا نكون غرباء بالأوراق الرسمية طالما أننا لسنا غرباء أصلا.
عشت في أرض مصر منذ عام 1972، لم أشعر يوما بالغربة إلا عندما يأتي مدرس الفصل ويسأل: "هل يوجد أحد في الفصل غير مصري" فكنت أرفع يدي، ويسجل المدرس اسمي، والظريف أن الجميع يسألني عن فلسطين والقدس والمسجد الأقصى، والتي كانت معلوماتي عنها لا تتجاوز معلومات أيا منهم، حتى أنني لم أعرف إلا قلة نادرة من الفلسطينيين المقيمين في مصر، وكذلك عندما قمت بسحب أوراقي من المدرسة الثانوية، فوجئت بأن أوراقي لا يتم سحبها إلا برسوم خاصة غير بقية الطلبة، وعندما ذهبت إلى مكتب التنسيق لتقديم أوراقي وجدت أنه من المفترض أن أنتظر شهرين كاملين بعد بداية الدراسة حتى أعرف نتيجة التنسيق، وكذلك توجد مقابلة خاصة مع مسئول في أمن الدولة من أجل ذلك، وكذلك كشف طبي للتأكد من خلوي من مرض الإيدز!! وكان السؤال لماذا أُعامل كما لو كنت غريبا في أرض لا أشعر أني بها غريبا.
ومرت الأيام وسافرت إلى بلد عربي آخر، وكانت المفارقة الظريفة، فقد عشت في مصر حتى أنني تضايقت من عبارة "لأنك فلسطيني" التي كانت تواجهني في الدراسة والعمل كما لو كنت مصابا بعدوى ما لأؤكد العكس في تلك البلد، فقد اعتقد الجميع أنني مصري، ولذا كانت لي معاملة خاصة، ولكنها سرعان ما كانت تتغير عندما يعرفون أني فلسطيني، ولكني أتحدث العامية المصرية التي لا أستطيع تغييرها بأي حال من الأحوال، وبرغم أنني لست من مشجعي الكرة فإنني كنت أشتاق للزحام المصري، فأذهب إلى أي مقهى يعجُّ بالمصريين؛ لأشاهد مباراة كرة القدم وأستمتع بالزحام والصخب الذي كنت أكرهه عندما كنت أعيش في مصر، ودائما كان يتكرر السؤال لماذا نتعامل كغرباء برغم أننا لسنا كذلك.
وأخيرًا وبعد سنوات تأتي الفرصة للعودة إلى أرض الوطن والذهاب إلى غزة، وبرغم أنني أساسا من مدينة حيفا إلا أن رؤية فلسطين لأول مرة كانت حادثة سعيدة، والتعايش في مكان يمتلئ بالفلسطينيين الذين أنتسب إليهم وأحمل وثيقة مكتوب عليها لاجئ فلسطيني، والغريب أن الأمر تكرر كما حدث من قبل فرغم الألفة التي وجدتها بيني وبين الناس هناك إلا أن التعامل الرسمي كان مختلفا تماما فقد عُوملت على أنني غريب ولست فلسطينيًّا من أرض الوطن.
وبدون الخوض في تفاصيل ذلك وجدت نفسي مضطرا إلى ترك أرض الوطن بعد 7 أشهر؛ لانتهاء وقت التصريح الخاص بي، وهذا من المفارقات أن أدخل بلدي بتصريح وأُعامل فيها كغريب، ثم أتركها وكانت نفس المشاكل تواجه أختي وأخي، ولكن كلا منهما وجد له حلا؛ فأختي تزوجت في مصر وبالتالي حصلت على الجنسية المصرية بعد عامين من الزواج، أما أخي فتزوج ابنة عمه المقيمة في فلسطين المحتلة -إسرائيل حاليا- بمدينة عكا وحصل على طلب "لم الشمل" من السفارة الإسرائيلية بمصر، وحصل بالتالي على هوية إسرائيلية بعد 7 أعوام من الإقامة هناك، وهكذا أصبح لي أخت تحمل جواز سفر مصري وأخ يحمل جواز سفر إسرائيلي، وكان السؤال دائما يكرر نفسه لماذا مصري وفلسطيني وعراقي وغير ذلك وهذا ما دفعني لمعرفة أصل الموضوع.
بداية الأمر جاء مع الثورة العربية ضد الترك، وسقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وسقوط الخلافة الإسلامية، وبعدها عُقدت اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الدول العربية إلى مستعمرات جزء لفرنسا، وجزء لبريطانيا، وهكذا ومن هنا جاءت التسميات والحدود والحواجز، وأصبح هناك مستعمرة مصرية ومستعمرة فلسطينية ومستعمرة جزائرية، وهكذا وهناك بعض الأفلام العربية ومنها فيلم "إسماعيل يس طرزان" تُذكر فيه السودان باسم الجنوب وعلى أنها ومصر أرض واحدة، فما الذي جعلها أرضين؟ وحتى فلسطين وسوريا ولبنان، كانت تُذكر على أنها بلاد الشام فما الذي حولها إلى حدود وحواجز، خاصة بعد أن تم جلاء الاستعمار وتم إعلان الاستقلال فإذا تم إعلان الاستقلال فلماذا نظل غرباء، ولماذا تبقى الحدود والحواجز ولماذا تبقي كلمة فلسطيني ومصري وجزائري وغير ذلك لماذا لا نعود أرضا واحد؟!!
لم أجد إجابة على مدار سنوات طوال، وأصبحت أدور دائما في دوائر لا معنى لها في واقع إسلامي عربي غريب غير مفهوم، ويعيي كل من يحاول فهمه؛ لذا تركت الواقع ورحلت إلى العالم الافتراضي عالم الإنترنت؛ وساعدني عملي على الهجرة إلى هذا العالم بعيدا عن هذا الواقع ومفارقاته العجيبة؛ فها أنا في أرض مصر أُعامل غريبا، وفي أرض فلسطين أُعامل غريبا، وفي أي أرض عربية أخرى أعامل على أنني مصري أو فلسطيني، فما معنى كل هذا الجنون؟ لم أحاول البحث واكتفيت بعالم الإنترنت، وكانت سعادتي عظيمة بالعمل في شبكة إسلام أون لاين.نت، ومشاركتي في الكتابة في صفحاتها، وكذلك ساحة الحوار بالموقع التي سررت سرورا عظيما عندما أعلنوا قيام الجمهورية الإلكترونية على الساحة، وانتخبوني بها وزيرا للرياضة وتمنيت لو تمكنت هذه الجمهورية من إصدار وثائق وجوازات سفر تحمل اسم الجمهورية الإلكترونية، وفي عام 2006 دشنت مدونة كونج فو والحمد لله حققت نجاحا كموقع رياضي سواء على مستوى المداخلات والزيارات أو حتى على مستوى المواضيع المطروحة مما يجعلني أفتخر بالانتساب إليها واليوم إذا سألني أحد عن جنسيتي لا أقول مصري ولا فلسطيني ولكن أقول الجنسية.. مدونة كونج فو تعلم وتدرب باستمرار.

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : الكونج فو محبة | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “الجنسية.. مدونة كونج فو”

  1. الفلسطينى غريب اينما ذهب..ويعامل على غريب خصوصاً فى الدول العربية وغير ذلك انه ياعمل على انه ضعيف هارب من بلده…اتمنى من الله ان يهدى اخواننا العرب وياعملونا على انننا اخوة لهم..لنكون يد واحدة على الاقل..تحياتى لك اخى محمد خليل الكسيح



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



مدونة كونج فو.. تعلم وتدرب بإستمرار