أردوغان..حياة مليئة بالمعارك

كتبهامحمد الكسيح ، في 31 يناير 2009 الساعة: 08:20 ص

ardogh

عبد الحليم غزالي - إسلام أون لاين بتاريخ 18 يونيو 2007
 
ربما تكون الانتخابات البرلمانية التركية التي ستجرى في شهر يوليو المقبل هي الاختبار لأصعب لرئيس الوزراء وزعيم حزب العدالة والتنمية “رجب طيب أردوغان”، ذلك الرجل الذي عرف عنه ولعه بالمعارك السياسية وميله للمواجهة أكثر من تقبله للحلول الوسط، برغم ذلك فقد أظهر قدرته على تغيير موقفه مائة وثمانين درجة في حالة تيقنه من الهزيمة، فهو يظهر دائما صلادة وشراسة في مواجهاته السياسية، لكن لديه حاسة تجنب الحفر الخطيرة، والتراجع الذكي عندما يجد نفسه على أعتاب خسارة حتمية.
والأرجح أن معركة الانتخابات البرلمانية التي هي جزء من حرب سياسية مستعرة في تركيا ستحدد مصير هذا الرجل الذي يمتلك شخصية كاريزمية مؤثرة، ويحظى بقبول شعبي واسع، مفرداته القدرة على إقناع الجماهير والاقتراب من مفتاح قلب رجل الشارع البسيط، والحس الخطابي العالي، والهيبة التي تلتصق بسمته، ولغته البعيدة عن التنظير والأيديولوجيا والمغترفة من تعبيرات البسطاء لدرجة أنه اتهم من قبل خصومه في غير ذي مرة بالابتذال والإسفاف.

طيب.. والعدالة

وقبل أي توصيف للرجل، فمن المؤكد أن رجب طيب أردوغان المولود في عام 1954 هو الشخص المحوري في حزب العدالة والتنمية الحاكم، وهو في ذلك مثله مثل كافة زعماء الأحزاب في تركيا منذ تأسيس النظام الحزبي في البلاد خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث ترؤس الأحزاب تعبير جلي عن حالة رعوية بطريركية أبوية، ويختصر الكثير من الأتراك الأحزاب في أسماء زعمائها، فيقال مثلا عن حزب الحركة القومية حزب دولت بهشلي، وعن حزب الشعب الجمهوري حزب دينيز بايكال.

غير أنه من الملفت أن حزب العدالة والتنمية لا يوصف بأنه حزب أردوغان، والخروج عن القاعدة ليس بسبب دور أردوغان، ولكن لأن الرجل قوي والحزب أيضا، وهذا هو الفارق الأساسي عن الأحزاب الأخرى.

والملفت للانتباه أن شخصية أردوغان التي تتسم بالكاريزمية لم تلغ هياكل الحزب كما حدث ويحدث مع أحزاب أخرى، غير أنه لا يمكن إنكار هيمنة الرجل على عملية صنع القرار وتشكيل هيئات الحزب، وهو رجل يتسم بالعناد ولا يغفر لمن يتحداه، لكن هناك فرقا بين إلغاء هياكل الحزب وإضعافها نسبيا، فأردوغان يمارس لعبة الترغيب والترضية أولا ويتجنب الصدام مع من يتمردون على هيمنته ما استطاع قبل أن يجد نفسه مضطرا لمواجهة لا بد من حسمها بكل الوسائل لصالحه.

وقد أبلغ أكثر من قيادي بارز في حزب العدالة والتنمية كاتب هذه السطور أن كل الأعضاء فيه يدركون أن الحزب قائم على شخصيته الكاريزمية الشعبية القريبة للغاية من الجماهير، والتي تعتمد على مزيج من المهارة والفطرة، فهو قد يذهب لحضور جنازة قروي فقير في قرية نائية ويواسي أهله في مصابهم، ما يخلق شعورا بالفخر والإجلال لدى سكان القرية وربما القرى المجاورة.

قريب من البسطاء
ومنذ أن تولى رئاسة الوزراء في مارس عام 2003 وهو يحرص على الإفطار معظم أيام شهر رمضان المعظم مع أسر فقيرة بصحبة زوجته “أمينة” التي لها حضور وقبول واضحان في الأوساط النسائية والاجتماعية، وهو يأكل من طعام الفقراء في هذه الحالات، ويقترب بحميميته من البسطاء.

وربما يعود قبول الفقراء والبسطاء لهذه الأعمال - التي قد تأخذ طابعا إعلاميا استعراضيا أحيانا - إلى كونه بسيطا وابنا لأسرة فقيرة، وهو يفتخر بذلك، حيث كان والده يعمل في خفر السواحل في مدينة ريزا الواقعة على ساحل البحر الأسود في شمال شرق تركيا.

وعندما كان عمره 13 عاما نزح والده مع أسرته إلى إستانبول بحثا عن فرصة عمل أفضل لمستقبل أبنائه الخمسة وبينهم رجب طيب، وهو اسمه المركب مثل معظم الأتراك.

وقد اضطر رجب طيب حسب فهم بعض المترجمين العرب للغة التركية وهو في ريعان صباه أن يبيع السميط وزجاجات المياه الغازية والبطيخ، وهو لا يفتأ يذكر ذلك وقد أكده بوضوح في مناظرة مع دينيز بايكال زعيم حزب الشعب الجمهوري الذي يعطي انطباعا بالغرور والنسب الأرستقراطي في مواجهة بساطة أردوغان.

وقد التحق أردوغان بإحدى مدارس الأئمة والخطباء في إستانبول بعد أن استقرت أسرته في حي قاسم باشا الفقير في الشطر الأوروبي من المدينة التي تكاد تختصر ملامح تركيا في أزقتها وساحاتها وبيوتها وشخوصها.

وخلال دراسته في مدرسة الأئمة والخطباء بدأ يتقن لعب كرة القدم بمهارة في الشوارع والنادي الصغير البائس الذي يضمه الحي، حيث كان يلعب في مركز “الليبرو” واشتهر بين أقرانه بالشيخ بيكنباور؛ لأنه كان يشبه نجم منتحب ألمانيا الغربية سابقا “فرانز بيكنباور” في أسلوب اللعب وطوله الفارع.

وما زال الرجل يذكر رفض والده انضمامه إلى نادي “فنار بخشة” أحد أكبر وأعرق الأندية التركية، خشية أن تفسده الكرة وتحرمه من إكمال تعليمه، وحتى الآن لا يخفي أردوغان عشقه للكرة و”لفنار بخشة” تحديدا، لكنه يحرص على مجاملة الأندية المنافسة في بلد يتنفس الكرة وعدد من لا يحبون الكرة يعد قليلا للغاية بالقياس لدول أخرى كثيرة.

وفي شهر مايو 2006 شارك أردوغان في مباراة للكرة بين زعماء أوروبا وأمريكا اللاتينية أقيمت في فيينا بمناسبة تسلم فنلندا رئاسة الاتحاد الأوروبي من النمسا. وقد أعجب الأتراك برئيس وزرائهم وهو يلعب المباراة بلياقة جيدة ويسجل هدفا لصالح الفريق الأوروبي، وفي كل الأحوال فقد قربه حب الكرة من الجماهير وعمق معنى البساطة في صورته الذهنية.

نصير الفقراء

وبرغم معاناة أسرته ماديا، فقد حصل أردوغان على شهادة جامعية من كلية التجارة والاقتصاد في جامعة مرمرة بإستانبول.

وقد بدأ وعيه السياسي يتشكل وهو طالب جامعي حيث عرف بميوله الإسلامية، وقد انضم لحزب السلامة الوطني الذي أسسه أبو الأحزاب الإسلامية في تركيا نجم الدين أربكان، ثم التحق بحزب الرفاه الذي شكله أربكان أيضا في حقبة الثمانينيات.

وفي عام 1985 أصبح أردوغان رئيس فرع الحزب في إستانبول في وقت بدأت فيه تتسع شعبية هذا الحزب، وواصل أردوغان نشاطه السياسي من خلال الرفاه على مدار ما يقرب من عشر سنوات حتى تم انتخابه رئيسا لبلدية إستانبول إثر فوز كبير له وللحزب في الانتخابات المحلية، وذاعت شهرة أردوغان كرئيس بلدية ناجح على مدى 4 سنوات، حيث انتشل المدينة من الإفلاس وحل الكثير من مشكلاتها مثل انقطاع الكهرباء والمياه وتفشي القذارة، كما تحولت المدينة في عهده إلى ما يشبه الواحة الخضراء بسبب مشاريع التشجير الكبيرة التي نفذها في أنحائها.

ونجح أردوغان خلال فترة توليه رئاسة البلدية في تعميق صورته كنصير للفقراء والمحتاجين، حيث وفر لهم الكثير من المساعدات العينية والمادية، وحرص في الوقت نفسه على إبراز شخصيته كرجل متدين بشكل عميق يحرص على الصلاة في أوقاتها، ويستشهد بالقرآن والأحاديث في خطبه وكلماته، كما أبقى على مسكنه المتواضع في قاسم باشا ورفض أن ينتقل لآخر يليق برئيس بلدية لمدينة ضخمة مثل إستانبول.

الانقلاب الأبيض
 
وفي عام 1998 الذي شهد الانقلاب الأبيض من الجيش على حزب الرفاه الإسلامي وزعيمه أربكان الملقب بـ “الخواجه” (أي الأستاذ)، صدر حكم بسجن أردوغان عشرة أشهر بتهمة التحريض على الكراهية الدينية وإثارة الفتنة، بعد أن ألقى خطبة نارية في مدينة سيرت ردد فيها أبياتا لشاعر تركيا الإسلامي “محمد عاكف” حيث يقول: “المساجد ثكناتنا والقباب خوذاتنا والمآذن حرابنا والمؤمنون جنودنا”.

وقد أطلق سراحه بعد 4 أشهر فقط لحسن السير والسلوك، وقد استفاد أردوغان من هذه الواقعة بإظهار نفسه كمظلوم حوكم لأسباب سياسية، كما أن الحكم تحول إلى أداة من جانب العلمانيين المتشددين لإعاقة مواصلته للعمل السياسي، وهو ما استطاع ببراعة هائلة أن يتجنبه.

وفي العام ذاته تم تأسيس حزب الفضيلة على أنقاض الرفاه الذي صدر حكم قضائي بحله، وقد قاد أردوغان ومعه “عبد الله جول” الجناح الإصلاحي في الحزب الجديد الذي أصبح نواة لحزب العدالة والتنمية كما أسلفنا.

ومنذ بداية دخوله صفوف قيادة الإسلاميين أظهر أردوغان قدرات خطابية كبيرة تتمثل في انتقاء الكلمات التي تمس المشاعر وتدغدغ الهوية الإسلامية التي طالما عانت من الاضطهاد في نفوس الأتراك، كما أظهر ميلا لنصرة المظلومين والتعاطف الشديد مع المرضى والمعوقين منذ أن كان رئيسا للبلدية، وهو ذو نشاط ومجهود هائل يصيب من حوله بالإرهاق حيث يتنقل بشكل شبه يومي بين محافظات تركيا الـ 81.

معارك رابحة

ويذكر لأردوغان كفاحه من أجل الوصول إلى مقعد رئيس الوزراء متخطيا عقبات قانونية وسياسية كبيرة، ولولا نجاح حزبه الكبير في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر عام 2002 لما تمكن من تغيير القوانين التي كانت تحظر عليه ممارسة السياسة والتي منعته بالفعل من ترشيح نفسه في انتخابات نوفمبر 2003 وبالتالي عدم توليه منصب رئيس الوزراء بعد هذا الفوز مباشرة حيث تم تكليف نائبه في رئاسة الحزب عبد الله جول الذي يتسم بالعقلانية والميل للهدوء بتولي المنصب، حتى وصل أردوغان إلى البرلمان إثر الانتخابات التكميلية في دائرة سيرت جنوب شرق البلاد في مارس عام 2004، ومن ثم حصل على منصب رئيس الوزراء بعد تنحي جول عنه.

ربما كانت المعركة الوحيدة التي خسرها أردوغان وهي من النوع البسيط نسبيا عندما أجبره بايكال على الكشف عن ممتلكاته الشخصية بعد رفض حاد وهجمات كلامية متبادلة شغلت الساحة السياسية في البلاد.

ولا يكاد يمر يوم من الأيام من دون أن يؤكد أردوغان أنه ابن الشعب والجماهير العريضة وليس النخبة السياسية ذات الأبراج العاجية التي تهتم بالتنظير والجدل الذي لا يفهمه العوام، وقد اقترب أكثر من هذه الجماهير مطلع 2006 باستقبال رئاسة الوزراء لشكاوى واقتراحات الأتراك عبر خط هاتفي مجاني ساخن.

ولدى أردوغان قدرة كبيرة على تغيير مواقفه بنسبة 180 درجة كاملة والدفاع عن هذه المواقف في الحالتين بشكل يدهش خصومه. حدث ذلك في قضية مشروع القانون الخاص بتجريم الزنا في عام 2004، عندما أصر على المضي قدما في إقرار المشروع من البرلمان رغم رفض الجيش والمعارضة والاتحاد الأوروبي له، وعندما هدد الأخير بعدم منح موعد لبدء مفاوضات العضوية مع تركيا تراجع وسحب المشروع من البرلمان.

ولعل أبرز أخطاء أردوغان ميله إلى الهيمنة الفردية على الحزب والإمساك بكل خيوط السلطة الحكومية والحزبية في يديه، وهو أمر عبر عنه بعض النواب المستقيلين من الحزب الذين اشتكوا من أنهم لم تتح لهم الفرصة للتعبير عن آرائهم بشأن الكثير من قرارات الحكومة، بل إن أحدهم قال: إنه لم يسمح له حتى بمقابلة أردوغان للحديث معه في شئون عامة.

أيضا يرى البعض أن أردوغان لم يكن حكيما في بعض تصرفاته التي أعطت إحساسا بالعظمة، فيما وصف بأنه أعراض سلطانية مثل حفل الزفاف الأسطوري الذي أقامه لابنته عام 2005، وتكلف مليوني دولار في بلد حوالي ثلث سكانه تحت خط الفقر أو في محاذاته، فضلا عن مسألة تلقيه وزوجته هدايا شخصية ثمينة لا تتسق مع المعايير الغربية.

وفي كل الأحوال فإن مصير أردوغان في الميزان، في ساحة الانتخابات، فهو إما أن يكون رأس حربة الحزب للانتصار أو بطله الصريع سياسيا!
 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : تعرف على بطل | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر



مدونة كونج فو.. تعلم وتدرب بإستمرار